1 صقر الزهراني

- ألو ألووو

- هلا نعم

- وينك الان؟

- من يكلمني؟

-  أخذت رقم جامعي والا لسى؟

- صقر؟ أنا في الكلية بس ما اعرف وين أنا بالضبط وفي أي مبنى.. دقيقة أمامي لوحة مكتوب عليها سكرتارية عمادة القبول والتسجيل.

- خلاص خليك مكانك أنا جاييك.

 

في لحظة مفاجئة، يمتلئ الممر بفوج بشري من الطلاب المتقدمين الذين يحملون أوراقا صغيرة على شكل قصاصات يكررون النظر إليها باستمرار. في وسط هذه الجموع يظهر شاب يبدو أنه أكبر منهم ببضع سنوات، لا يحمل أي أوراق، يمشي كما لو كان موظفا أو استاذا في هذا المكان. ثوب مكوي وأنيق، شماغ تنسدل أطرافه وراء ظهره وتصبغ وجهه بشيء من الحمرة -بالذات عندما تتسلط عليه أشعة الاضاءة من السقف- التي تناسب تقاسيمه ولون بشرته الحنطي الفاتح. يمشي بثقة وارتياح كما لو كان قد عقد هدنة محكمة مع الزمن بذات نفسه.

- هذا دكتور هنا.. ربما تعين حديثا مباشرة بعد التخرج، مستحيل يكون هو نفسه صقر الذي حدثوني عنه معارفي.. لم يذكروا لي أبدا أنه أنيق ومرتب، صقر مثير للضحك ليس إلا. في مشيته غطرسة خافتة تعلن بهدوء شديد أنه مركز ثقل الكون وجاذبيته وأن كل من وما حوله مجرد ممثلين ثانويين يترك لهم هو بنفسه عن قصد لعب أدوارهم بمبالغة للفت الانتباه.

 

تجاهلته وتجاوزني، ما لبث أن توقف وأخرج هاتفه ورفعه الى أذنه ثم رن هاتفي..

-إذن أنت علي..

- نعم أنا علي ولابد أنك صقر..

 

اقترب مني وسلم علي بحرارة كأن ما قاله معارفي له عني وعنه لي قد جعلنا كلينا أصدقاء ولكن في مستوى أعلى من الافتراض والألفة.

 

صقر الزهراني يكبرني بست سنين. عرفته بادىء ذي بدء عن طريق بعض معارفي الذين كانوا يدرسون في الجامعة في جدة في تخصص التربية الخاصة. اشترك معهم في السكن قبل أن يتخرج الجميع ويبقى بعدهم متأخرا سنة كاملة وثلاث وأربعين ساعة. فيما يخص العينين، فصقر له من اسمه نصيب: عينان واسعتان عسليتان غائرتان في محجرين يحيط بهما جلد أحمر مجعد من كل الجهات، ويعلوهما حاجبان سميكان وقصيران في الوقت نفسه كأنهما حاجبا عبدالعزيز المسلم في مسرحية (هلو بانكوك) إلا أنهما أقل سماكة. بين الحاجبين ينحدر  أنف حاد وأنيق ينساب باتساق  إلى الأسفل حتى ينتهي  إلى زاوية حادة مع بروز وضخامة بسيطة. في ملامحه المتبقية، ينحسر الصقر ويبرز الثعلب. ومع ما توحي به ملامحه من اتقاد وذكاء إلا أن جبهته صغيرة تنفرد على وجه يميل للاستطالة أكثر من الانبساط، مع حفرتين ضئيلتين في المكان الذي كان يفترض أن يتواجد به خدان.

 

يرتفع رأس صقر ١.٧١ م عن الأرض، ويستقر على جسد نحيل متناسق عدا أن جزءه الأعلى أطول بقليل من جزءه الأسفل، كأن جذعه ويداه استعارتا بعض الطول الاضافي من ساقيه اللتان تبدوان قصيرة لرجل متوسط الطول. و رغم نحوله الظاهر في جذعه ووجهه، إلا أن بطنا صغيرة تندلق بحذر شديد من تحت سرته. لا يحتاج رسام محترف إلى كثير من الجهد ليحول صورة صقر الزهراني الكاملة إلى شخصية مرنة تلعب أدوارا شتى في فيلم أنيمي. 

 

- أنا معي أخي جابر، جاءه قبول من الكلية العسكرية وأردنا أن نسحب ملفه اليوم من هذه الكلية .. وأنت الله يعينك على هذه الكلية.. وش باقي لك؟ خلص أمورك نصلي في مسجد الكلية عند مواقف السيارات .. ثم توجه إلى "بخاري زمان" انتظرني وراح أجيك..

- ما شاء الله ألف مبروك لجابر.. وين "بخاري زمان" ..

- الله يبارك فيك وعقبال حبايبك .. "بخاري زمان" اول ما تطلع من مواقف الكلية اجباري تتجه يمين، مع أول دخلة يسار .. فوق تحت .. ثاني دخلة يمين .. تدخل معها تطول ٣٠٠ او ٣٥٠ متر .. تجيك اللوحة خضراء كبيرة مكتوب بالعربي والانجليزي "بخاري زمان" .. وانتظرني خليك في السيارة حتى أجي .. أنا اضبطك والله يحييك..

- بدون رسميات..

- ما عليك انت انتظرني بس

 

"الله يعينك على هذه الكلية" ظلت تتردد في رأسي طوال صلاة الظهر، وددت لو أن الامام يقرأ الفاتحة علانية ليقطع شريط الافكار السلبية هذا.

 

- ألو ألووو

- هلا صقر

- وصلت؟

- نعم أنا موجود في سيارتي أمام المحل مباشرة.

- انزل

صافحني مرة ثانية هذه المرة بابتسامة واثقة توحي بأنه سحب ملف أخيه. توجه للداخل، نادى على مصطفى وهمس له ببضع كلمات، مما أعطاني انطباعا بأن صقر يديم التردد على هذا المكان.

- أخذت رقم جامعي؟

- نعم

- هاته ..

- أخرجت له ورقة مدون فيها اسمي كاملا والرقم الجامعي والتخصص مع بعض النصائح والارشادات لللطلبة المستجدين.

- آخر رقمين من رقم الجامعي هما ٠٣ .. كم مجموعك في الانجليزي في الثانوية.

- ٩٩

- أن تجتاز الاختبار التحريري والشفوي للقبول ويكون ترتيبك الثالث في مدينة كبيرة وأنت القادم من قرية مدفونة، فهذا شيء عظيم.

 

لم تلفتني الإشادة العابرة كما لفتتني طريقته في استنتاج ترتيبي في اختبارات القبول، ولمزه في قريتي التي ربما يعرفها عن طريق اصحابه الذين هم معارفي.

وبينما أسبح في أفكاري حول جرأته على قريتي ووصفها بالمدفونة، باغتني

- لا تعبت ولا هنت، متى وصلت جدة؟

- امس العصر

- وين نمت

- في الفندق المقابل مباشرة..

- أنا كلمني حامد وقال لي أنك قادم إلى جدة للكلية لتأكيد القبول وانهاء بعض الامور المتعلقة بالتسجيل، اعطاني رقمك واتصلت بك الصباح.. أنا خبرة في هذه الكلية الملعونة، أتممت ٤ سنوات وتبقت لي سنة إن شاء .. أنا و ضيف الله و عبدالمجيد نسكن في عمارة أبو مسعود منذ ٣ سنوات، هي العمارة نفسها التي كان يسكن معنا فيها حامد وعبدالله .. كنا خمسة وأصبحنا ثلاثة والان بقدومك نصبح أربعة .. غرفتين للنوم ومجلس وصالة ومطبخ صغير .. ضيف الله مسافر للديرة وعبدالمجيد وجابر أخي نائمان الآن .. جابر سيغادر الليلة.. هل أخبرتك أنه قبل في الكلية العسكرية عند ابن عمي المقدم الذي يعمل فيها؟ أحسن له من هذه الكلية، وأضمن في أن لا يتأخر عن التخرج.. بعد قليل أريك الشقة ولك مطلق الحرية في أن تختار السكن معنا أو تبحث عن سكن آخر.. لكن رأيي أن الشقة قريبة من الكلية وحولك كل ما قد تضطر إليه من خدمات، ٣ تموينات كبيرة، مغاسل ملابس، كبينة اتصالات، قرطاسية توفر خدمة الطباعة .. وغالبا لن تحتاج لتحريك سيارتك الا عند رغبتك في السفر للديرة .. المسافة بين الكلية والشقة حوالي ٤٨٠ مترا .. بالاضافة الى كل ذلك يوجد مقهى يعمل به تونسي تستطيع إمضاء ساعات طويلة فيه تشاهد أفلام MBC 2 أو القنوات الاخبارية والحوارية..

- العفو يا صقر .. قراري بالسكن معكم بلغته لحامد ولا داعي لأن أتعرف على الشقة حتى أقرر ..

- الخيار خيارك والقرار قرارك .. وعلى فكرة ترى أغلب الاساتذة والدكاترة يصلون في المسجد المجاور ويسكنون في الحارات المتناثرة على هذا الشارع .. سترى في المسجد د. عبدالغفار خان والدكتور شفيق والدكتور أحمد الغربي والدكتور أسامة العدل والدكتور هيثم مروان .. كلهم يسكنون بالقرب من هنا .. أما د. محمد جمال ود. مصطفى سلوم ود. يوسف علوان فهم صحيح يسكنون قريبا من هنا ولكن لن تراهم لا في مسجد الكلية ولا مسجد الحارة ولا أي مسجد آخر .. قالها وأطبقت شفاهه على ضحكة مكتومة بينما ضاقت احدى عينيه واتسعت الأخرى فوق اتساعها .. وهي طريقته بعد  نصب فخ عقلي أو التأمل في حدث معين.

التزمت الصمت .. لم أعرف ماذا أقول .. كل هذه الأسماء مجهولة بالنسبة لي.. لا أعرف أي أحد منهم.

-  حياك الله واعذرنا على القصور ماهو واجبك ولا قدرك ولكن أعوضك بوليمة لائقة في الشقة بوجود الشباب كلهم .. أنا أعمل في كابينة اتصالات في الفترة المسائية من الساعة الخامسة عصرا إلى الساعة الثانية عشرة صباحا، ولهذا السبب في الاجازة الصيفية مثل هذا الوقت لا أسافر إلى الديرة إلا لحضور الأعياد والمناسبات الاجتماعية عند الجيران والمقربين الذين لا يسعني العذر في الاعتذار عن حضور مناسباتهم.

- أنت طالب وموظف في نفس الوقت؟ هذا كثير

- أنا يا علي طالب وموظف و أب وأخ أكبر وعائل لعائلة من ٤ أشخاص وزوج مع وقف التنفيذ.

- كيف؟

- قبل ٩ سنوات كنت طالبا في الثاني متوسط، وكان أبي رحمه الله يذهب للمزرعة كل يوم كعادته بعد التقاعد من الحرس الوطني والاستقرار في إحدى القرى التابعة للمندق.

يتحدث صقر ولأول مرة أشعر أن حديثه هذه المرة يخبيء كمية مهولة من الاسرار التي يكشفها لأي أحد أول مرة. في كثير من الاوقات التي كات يتحدث فيها في المطعم، كان عقلي يذهب في خيالات بعيدة من قبيل "هذا ليس صقر الطريف الذي حدثني عنه حامد وعبدالله." و "يبدو أن الوصاية الأبوية مرتفعة عند صقر".. كان يتحدث كما لو كان يحرك شفتيه دون أن ينطق بحرف ..

- طيب تغد بالله عليك.

- كثر خيرك وجاد الله عليك

- صحة وعافية، نكمل الحديث في السيارة إلى الشقة.

- طيب .. قلتها وأنا الان ارتعب من فكرة أن يكون قد طاش خيالي بعيدا عن شيء مهم قد قاله صقر ولم أكن منتبها.

خرجنا إلى سيارته، فتش في جيبه، اتجه نحو السيارة وأخرج علبة سجائر.

- أهلكني الدخان.. دمرني لكنه الترفيه الوحيد الذي أملك الحق في الوصول إليه دون تأنيب ضمير .. لا يبدو عليك أنك تدخن .. لا زلت طفلا في الثامنة أو التاسعة عشرة .. ماذا يفعل مثلك بسيجارة .. هعق هقهق هعهق هعقققهه ..

 

انتبهت إلى أن ضحكة صقر هي مزيج من ثلاثة أحرف الهاء والعين والقاف يرتبها كيفما يشاء كل مرة و تخرج من جوف فمه مخلصة للنكتة والشماتة والسخرية وبدون تحفظ .. لا يهمه أي سكون أو طمأنينة سيخترقها بضحكته .. لا يهمه من يكون حوله أو من يراه وهو يضحك ..

- نروح الشقة والا المقهى؟ صحيح متى بتسافر إلى الديرة أنت؟

- أنا مسافر بكرة الظهر، أعتقد أني أحتاج أن أزور القسم وأتعرف على القاعات..

- طيب تعال المقهى أكمل لك السالفة .. نروح بسيارة واحدة؟ المقهى قريب نروح بسيارتين.

 

المقهى كبير وفسيح تتناثر بداخله طاولات خشبية على كل طاولة ثلاثة أو أربعة كراسي.

- صاح صقر بالتونسي.. "هشام دلة قهوة وتمر سكري وطحينة.. مضبوطة للناس الضيوف اللي جايين من الديرة." 

أشعل صقر سيجارة ثانية وبدأ بتحدث مرة أخرى بلا تحفظ:

-  أبوك يدرء عنك في حياته أهوال وأهوال.. لو قدر الله ومات وأنت في سن مبكرة .. أمامك خيارين: أن تحترق بسرعة حتى تنضج وتقفز مراحل في طفولتك وصباك ومراهقتك مباشرة إلى الرجولة.. أو أن تحترق حتى تترمد و تصبح أنت وعائلتك فريسة حتى لأقرب الناس منك. هذا من جهة ومن جهة أخرى، لا شيء يسلب المرء عقله مثل الحب. حياك الله أقدع .. وش اسم الوالد الله يحفظه؟

-  اسمي علي محمد

-  والنعم يبو محمد ..

-  أنا صقر بن عبدالله بن حمود .. بس نادني أبو عبدالواحد ..

-  تشرفنا يبو عبدالواحد .. سلمت وعشت ..

 

ومد لي بفنجان قهوة تسبح في وسطه قليل من حبات الهيل المطحون. لاحظت أن جبهة صقر الصغيرة بدأت تتوتر، يبدو أنه يتذكر أشياء مؤلمة وقاسية أو أنه يصارع نفسه في أن يقول أو لا يقول.. كل هذا وأنا أصارع حقيقة صقر الماثلة أمامي -أو بعض الحقيقة عنه- و كل ما قاله حامد وعبدالله عنه.

- قلت لك كنت في الثاني المتوسط، أبي المتقاعد رحمه الله أراد أن يأخذ جزءا من الارض التي ورثها هو وعمي قاسم من جدي حمود. حفر أبي بئرا واسعة نسميها "البئر العربية"، واشترى غطاسا لسحب المياه من جوف البئر وضخها في الحقل. كان يقوم باصلاح التمديدات الكهربائية بنفسه، أحيانا يوصل الكيبل في الغطاس وأحيانا يفصله من لوحة التحكم الخاصة بالغطاس ويوصله في الغرفة في المزرعة للانارة والتبريد والتكييف. في يوم من الأيام كنت بعيدا عنه حوالي مئة متر عندما قذفت به صعقة كهربائية مسافة مترين أو ثلاثة .. هرعت إليه وكانت أطول مئة متر في حياتي بفعل الأفكار التي دارت في رأسي؟ هل كانت صدمة كهربائية بسيطة؟ لماذا إذن لا يتحرك أو يقف؟ هل مات أبي بهذه السرعة؟ هكذا بدون مقدمات؟ بدون إعلان؟ هل كل هذا حقيقي؟ هل أحلم؟ ربما ليس أبي .. ربما عمي أو عامل .. لكن هذا ثوب أبي وتلك عمامته..

توترت التجاعيد في جلهة صقر أكثر وأكثر .. يزم على شفته السفلى المحترقة بفعل التدخين و المأزومة من تكرار الزم عليها أكثر من ذي قبل.. وجدت نفسي في مأزق: هل أقرب له علبة مناديل من الطاولة الأخرى؟ هل أسكت وانتظر بقية القصة حتى ينفجر هو في البكاء ثم أجد مبررا في الافراج عن دمعتين في عيني ..

مددت يدي من مكاني إلى طاولة مجاورة والتقطت علبة المناديل ومررتها لصقر مع ابقاء مسحة من التعاطف على وجهي المتوتر بفعل مقاومة البكاء..

أخذ صقر المناديل ووضعها كما هي على الكرسي المجاور .. خفف من توترات جبهته ومن الزم على شفاهه ونظر الي وقال:

- أنا لم أبك منذ ان كان عمري ١٥ سنة، مررت بالكثير من الاهوال والمآسي، وفاة أبي، مرض أمي، اللدغة التي تعرضت لها غيثة من الاسود الخبيث، وفاة قاسم ابن عمي .. حاولت أن أبكي كإنسان، اسمع نفسي تجيش وتنتحب من الداخل لكنني مع كل هذا لا استطيع ولم استطع البكاء. كم يحتاج الشخص لقطع مسافة ١٠٠ او ١٣٠ مترا ركضا؟

- ربما أقل من دقيقة لا أعرف بالضبط..

- تلك كل هي الفترة والمسافة التي احتجت قطعها لأنتقل قسريا من المراهقة إلى الرجولة الفجة. كنت كلما اقتربت من جسد أبي أوقن أن هو أبي لا عمي قاسم ولا العامل .. أبي الذي تعرض للصعق.. رأيت أبي في لحظات الاحتضار.. أمسكت بيده ورأسه ضممته إلي .. صحت به "يا أبو صقر" .. "يا أبي .. يا بوي .. يا يابه.. يا بو صقر.." .. لحظة الصدمة تلك التي تلقاها وطارت به الى مترين أو ثلاثة انتقلت الى جسدي وروحي وانا احتضن جثته .. منحتني الدرع لكل صدمة لاحقة.. تعرف المسلسل المكسيكي ماريمار؟

- لا ..

- في هذا المسلسل يتأكد كانتورال من خيانة حبيبته له، لكنه في كل مرة ينفي أن تكون حبيبته قد خانته فعلا.. مراوحة أليمة بين الانكار والقرائن غير القابلة للتشكيك.. سعيٌ ذهني دؤوب بين صورة ماريمار التي رسمها في عقله عنه وبين ما تكشفه الأيام عن حقيقتها.. يتمسك كانتورال بحبيبته المتلاعبة هاربا من مواجهتها بالقرائن .. في النهاية يبتكر كانتورال طريقة لا للتخلص من ماريما فحسب، بل أيضا من حالة الانكار المرضي. تواجد في المكان الصحيح وفي الوقت الصحيح ورأى ماريمار تدخل الفندق مع فرناندو .. لم يبك كانتورال، لم ينهار، لم يواجه، بل انسحب بصمت وهو يرتجف لائما نفسه: لقد رأيت كل شيء بقلبي وعقلي وحدسي، لم أكن احتاج لأن أراهما يدخلان الفندق لأتخلص من أوهامي، عاد إلى البيت أحرق كل رسائلها وصورها وهداياها. الله يكرم ويرفع شأن أبي عن الممثلات والمسلسلات والخيانة، أنا عشت في حالة إنكار مطول لكل ما حدث، الشيء الوحيد الذي يثبت أن ما حدث قد حدث فعلا أنني حضرت الدفن، نزلت إلى القبر، استلمت جثمان أبي، وسدته اللحد .. سددت الفتحات بالطين، وأهلت التراب على جثمانه الشريف مع من أهالوه ولم تسقط من عيني دمعة واحدة.